عليخان المدني الشيرازي

268

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

الخبر جملة فعلية غير مبدوّة بمضارع ، وحكى الجرجانيّ استعمال مضارع واسم فاعل من عسى ، وحكى قوم استعمال اسم فاعل من كرب ، وحكى ابن أفلح منه مضارعا ، وأنّه يقال كرب يكرب كنصر ينصر . كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات : تنبيه : اشتهر القول بين المعربين أنّ كاد إثباتها نفيّ ، ونقيها إثبات ، فإذا قيل : كاد يفعل ، فمعناه أنّه لم يفعله ، وإذا قيل لم يكد يفعل فمعناه أنّه فعله ، دليل الأوّل : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [ الإسراء / 73 ] ، وقوله [ من الخفيف ] : 222 - كاد النّفس أن تفيض عليه * إذا غدا حشو ريطه وبرود « 1 » ودليل الثاني : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة / 71 ] ، وقد جعل المعريّ ذلك لغزا فقال [ من الطويل ] : 223 - أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبت * وإن أثبتت قامت مقام جحود « 2 » والصواب أنّ حكمها حكم سائر الأفعال في أنّ نفيها نفي ، وإثباتها إثبات ، وبيانه أنّ معناها المقاربة ، ولا شكّ أنّ معنى كاد يفعل قارب الفعل ، أنّ معنى ما كاد يفعل ما قارب الفعل ، فخبرها منفيّ دائما ، أمّا إذا كانت منفية فواضح ، لأنّه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفي عقلا حصول ذلك الفعل ، ودليله : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [ النور / 40 ] ، ولهذا كان أبلغ من أن يقال لم يرها ، لأنّ من لم يرقد يقارب الروية ، وأمّا إذا كانت المقاربة مثبتة فلأنّ الاخبار يقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله ، وإلا لكان الاخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصوله ، إذ لا يحسن في العرف أن يقال لمن صلّي قارب الصلاة ، وإن كان ما صلّي حتى قارب الصلاة ، ولا فرق فيما ذكرناه بين كاد ويكاد ، فإن أورد على ذلك : وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [ البقرة / 71 ] ، مع أنّهم قد فعلوا إذ المراد بالفعل الذبح ، وقد قال تعالى : فَذَبَحُوها [ البقرة / 71 ] . فالجواب أنّه إخبار عن حالهم في أوّل الأمر ، فإنّهم كانوا أوّل بعدا من ذبحها بدليل ما تلي علينا من تعنّتهم وتكرار سؤالهم ، ولمّا كثر استعمال مثل هذا في من انتفت عنه مقاربة الفعل أوّلا ثمّ فعله بعد ذلك توهّم أنّ هذا الفعل بعينه هو الدّال على حصول الفعل ، وليس كذلك ، وإنّما فهم حصول الفعل من دليل آخر كما فهم في الآية من

--> ( 1 ) - البيت لمحمد بن مناذر أحد شعراء البصرة يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي . اللغة : الريطة : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ، وأراد هنا الأكفان الّتي يلف فيها الميت ، البرود : جمع برد . ( 2 ) - هما لأبي العلاء المعري واسمه أحمد بن عبد اللّه التنوخي الشاعر اللغويّ ، مات سنة 449 ه . اللغة : جرهم حي من اليمن ، وثمود : قبيلة أخري .